مقـال : هجرات اليافعيين إلى الهند (1)

كتب : د.علي صالح الخلاقي :

 

توطئة
يحيى عمر قال ليت الهند في يافع
أو ليتكم بأرض يافع يَهْل هندستان
*
يلخص هذا البيت للشاعر الفنان يحيى عمر اليافعي (أبو معجب) بكثافة علاقة اليافعي الحميمة بالمهجر الهندي, ويعبر عن علاقة الشوق والحنين التي تتنازع هواه بين الهند ويافع, مع غلبة واضحة لحب مسقط الراس “يافع” التي تمنَّى لو أن الهند بثرائها ورغد العيش فيها كانت في يافع مع أهل هندستان ممن لهم في قلبه شأن لكان تخلص – كما قال- من الضياع عن أهله وبلده ومن تعب وعناء السفر في المراكب الشراعية تلعب به أمواج بحر “اللوُّل والمرجان”..أنه يعبر هنا عن حالة ونفسية المهاجر اليافعي في زمنه في المهجر الهندي.. فمن المعروف أن الهجرة إلى الهند ظلت حتى منتصف القرن الماضي أملاً يداعب مخيلة الشباب اليافعي وهدفاً سعى إليه الكثيرون ممن ضاقت بهم سبل العيش في بلادهم لعوامل الاضطراب السياسي والفتن والحروب القبلية والجفاف والمجاعات. وفي الهند وجد المهاجرون بغيتهم وحصلوا على أعمال كـ(عساكر) بصورة رئيسية، وإن عمل بعضهم في التجارة أو في مجالات الشحن والتفريغ في الموانئ أو رحالة على السفن، وأمَّنوا بذلك ليس فقط مصدر الرزق لهم ولأسرهم التي ظلت تعتمد عليهم، بل وسعوا إلى أن يحققوا ذاتهم فيما بعد في مسقط رأسهم وهو ما تيسَّر للكثيرين منهم، ولا زالت تنتصب في بعض قرى يافع الجبلية القصور والحصون اليافعية التي شُيِّدت بأموال أولئك المغتربين في المهجر الهندي على مدى الثلاثة القرون الماضية، كشاهد على ذلك( ).
حتى الآن لم تحظ هجرات اليافعيين إلى الهند التي كانت أولى مهاجرهم ومحط رحال الكثير منهم إلى جانب اندونيسيا ثم بقية المهاجر العربية والأجنبية الأخرى، بالدراسة أو التحليل، فقد انعدمت الكتابة عنهم وعن نشاطهم وأحوالهم وتأثيرهم ومكانتهم في مهاجرهم، خاصة وأن أحداً منهم لم يترك لنا كتابا أو ذكريات تدون شيئاً عن حياتهم ونشاطهم في تلك المرحلة رغم وصول بعضهم إلى مراتب عسكرية هامة، خاصة في نظام حيدر آباد، حيث كان حضورهم قويا ومؤثراً. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تتناول هجرات اليافعيين إلى الهند بشكل خاص، والتي استندنا فيها إلى مصادر ومراجع ووثائق ومراسلات تاريخية تعود إلى حقبة المهجر الهندي تسنى لنا الحصول عليها من أرشيف بعض الأسر اليافعية وتُنشر لأول مرة, ونسعى في المستقبل لتوسيع إطار البحث وإصداره في كتاب ليشمل الهجرات اليافعية في العصر الحديث بشكل عام مدعماً بالوثائق والمراسلات التي نأمل أن نحصل على المزيد منها من أرشيف الأسر اليافعية.

العرب والمهجر الهندي
—————-
المهجر الهندي من أقدم المهاجر التي اتجه إليها المهاجرون العرب, وبشكل خاص من الجنوب العربي, واشتغل معظمهم بالجندية، حيث أشار عدد كبير من المؤرخين والرحالة العرب من أمثال ابن بطوطة والأفرنج وغيرهم الذين زاروها عبر القرون عن وجودهم في جيوش وأساطيل حكام الهنود سواء كان الحاكم مسلماً أو هندوكياً( ). فقد وجد الجنود من الجنوب العربي ضمن جيوش سلاطين الدكن والقجرات. وتحدثت المصادر الفارسية عن هند العصور الوسطى بغموض عن “الجنود العرب” في جيش الإمبراطورية البهمانية والسلطنات التي أتت بعدها (القرن 14-17). إذ كان من الصعوبة بمكان تأكيد وجود أقلية عربية ضمن قوات السلطان الدكني، فإن مما لاشك فيه أن العرب الذين كانوا في جيوش ملوك القجراتيين المسلمين هم من الجنوب العربي. وضم جيش السلطان شاه بهدور(26-1537م) ما يقارب 10000جندي أجنبي ، كان كثير منهم من يافع والمهرة. وحدث التدفق الكبير للحضارم واليافعيين وغيرهم في منتصف القرن الثامن عشر والتاسع عشر. إذ كان القرن الثامن عشر قرن حروب واضطرابات في كافة أرجاء الهند، حيث فقدت الإمبراطورية المغولية هيمنتها في شبه القارة الهندية، كما ساعدت القوات الأوربية المدربة، والتكنولوجيا العسكرية المستوردة على وصول اشخاص جدد إلى السلطة في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. وكانت معظم السلطات الجديدة من الأقليات العسكرية التي اعتمدت إلى حد كبير على مساندة الجنود الأجانب الذين كانوا سياسياً محايدين ومن ضمنهم العرب من حضرموت ويافع الذين برز دورهم العسكري في نشاطهم الملحوظ وثقلهم العسكري في مجموعة كبيرة من دويلات الهند. فقد أدرج عدد من الحكام عرباً ضمن قواتهم. ففي بهافنجار قيل أن المهراجا بافسينجي (1703-1763م) ضم 3000عربي ضمن جيوشه. كما أسس جمعدار عربي (قائد عسكري) إمارة صغيرة في مانجرول (كاثياوار) عام 1747م، ودامت قرنين إلى أن تمت إزالتها ضمن الإمارات الأخرى التي أزيلت عند استقلال الهند. وقد عمل ما يقدر بحوالي 5000عربي في قوات الزعيم المراثي نانا بدنيس( ).
لمع اسم العرب، وعلى الأخص الحضارم واليافعيين، في الهند بصفة غير اعتيادية نظراً لمجهودهم وصبرهم ومثابرتهم وذكائهم، وكان غالبيتهم يعملون في الجندية. حيث استطاعوا في تلك الفترة اتقان مجموعة بارزة من الفنون الحربية, والاستخدام الفعال للمدافع والبنادق, وهي من أهم السمات التي جعلت الحكام الهنود ينظرون في الجندي العربي الند السوي للجندي الأفرنجي المدرب على هذه الأسلحة الحديثة, فضلاً عن ميزتهم الفريدة التي اشتهروا بها في تلك الفترة وهي الاستعداد الدائم للقيام بالدفاع المستميت عن أية مواقع تُسَلَّم لحوزتهم( ). ولهذا كانوا أكثر تقديراً وأعلى مقاماً من بين الجنود الأجانب في جيوش الحُكَّام.وكان لهم دورهم كمدافعين مرموقين عن القلاع التي كانت تستخدم، ليس كنقاط قوة عسكرية فحسب، بل أنها استخدمت أيضاً كمراكز لجبي العوائد (الضرائب) والسيطرة الاجتماعية. واعترف خصوم العرب من البريطانيين بتفوق مهاراتهم العسكرية, ومن الطبيعي إن كان الجنود العرب أغلى ثمناً في جيوش المارثا. ووفقاً لمصدر من القرن الثامن عشر أُعطي الجنود التابعون لمجموعات مختلفة الأجور التالية:”أُعطي الجندي العربي 18روبية، البرتغالي 15روبية، والهندوستاني 8 روبيات، أما المارثا والدكني فقد أعطوا 6 روبيات”. وعلى حد تعبير الميجر بيرتون:”ربما لا توجد في العالم جيوش تكون أكثر عزماً وثباتاً في مواقعها من العرب. فهم غير مطلعين البتة على التكوين العسكري، وغير نظاميين، ولكن كل عربي لديه عزة وقلب لا يخذله أبداً طالما أن له أقداماً يقف عليها. فهم بطبيعتهم شجعان ويمتلكون درجة عالية من الهدوء وسرعة البديهة. جسورين وعنيفين بحكم العادة، ويُربون على حمل السلاح منذ نعومة أظفارهم، ويجيدون استخدامه وتصويبه بمهارة بحيث تصيب أو تجرد أصغر هدف من مسافة ليست بالقصيرة. وهم بشكل عام يتسلحون من بندقية فتيل وزوج رماح، وثلاثة أو أربعة خناجر صغيرة مثبتة في أحزمتهم، ودرع”( ).

***
الجزء الاول من البحث المقدم إلى ندوة (ظاهرة الهجرة اليافعية عبر التاريخ) التي نظمها مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخي يوم 24سبتمبر 2019م في كلية التربية -يافع….

يتبع غدا