الحوار في اليمن “غير”

كتب د. عيدروس نصر:

 

تعمدت أن لا أتناول ما يتعلق بمضمون ما صار يطلق عليه “اتفاق الرياض”، إلا من باب التعليق على بعض ما يخص التسريبات التي جرى تداولها هنا وهناك، وعموما فموقفي الشخصي هو مع أي اتفاق يضمن قضيتين رئيسيتين هما: نقل كل القوات والممكنات العسكرية والجهود العسكرية لمواجهة المشروع الإيراني ووكلائه في اليمن، و إخماد نار الفتنة الداخلية التي يتلهف لإشعالها بعض عديمي المسؤولية من الطائشين والمراهقين (وإن بلغوا من العمر عتيا)، بعد ذلك تظل التفاصيل والتنازلات المتبادلة أمر يمكن القبول به نزولا عند هاتين القضيتين الاستراتيجيتين.

لقد حاولت أن أبحث عن تجربة حوار واحد واتفاق واحد فقط جرى توقيعه والتزمت الأطراف بمضامينه واعتبرت التنازلات التي قدمتها ثمنا زهيداً لقضايا أسمى وأنبل، على افتراض أن من يمهرون هذه الاتفاقات بتوقيعاتهم يقدرون معنى “الأسمى” و”الأنبل”.

كل المؤتمرات واللقاءات والاتفاقيات التي شارك فيها ممثلو النخب السياسية اليمنية كانت عبارة عن مسكنات وقتية، لالتقاط أنفاس المتحاورين أو المؤتمرين أو من يمثلهم الموقعون لإعداد العدة للانقضاض على بعضهم البعض وانتزاع الفوز بدحر الآخر وإقصائه وليس باحترام التنازل والقبول بالتعايش الذي يسمح بتحويل الاختلاف إلى أداة بناء بدلا من كونه أداة هدم.

لا أتذكر أن اتفاقا يمنيا واحدا جرى احترام مضمونه وتقدير ما فيه من قيمة بناءة، وليس أدل على ذلك من اتفاق نوفمبر 1989م ومخرجات حوار صنعاء (2012 – 2013م) ، مهما كانت العيوب والمآخذ التي احتوى عليها النموذجان.

هل ستختلف حالة “اتفاق الرياض” عن سابقاتها، وهل سيتقيد المتنطعون وهواة الشطح والعجرفة وصناع المكائد والأحابيل ومدعيي الوصاية والتفوق بما سيتضمنه الاتفاق؟

ما أقرأه هذه الأيام على مواقع رسمية وما أسمعه من تصريحات صادرة من قبل مسؤولين يحتلون مواقع سياسية وبرلمانية وحكومية رفيعة يقول أن هناك جناح (وربما أكثر من جناح) لم يجد في “اتفاق الرياض” ما يشبع شهوته وما يروي عطشه، وبالتدقيق ما يحقق ثأره ممن يفترض أنه سيتفق معهم وسيشاطرهم تنفيذ مضامين الاتفاق ما يعني أن هذا البعض على استعداد لتعطيل أي عمل يسعى لتطبيع الأوضاع واستعادة الدولة وهزيمة المشروع الإيراني في اليمن، وفي هذا النوع من السلوك والمواقف ما يضاعف أسباب الخوف ودوافع القلق لدى البسطاء والمتعطشين للسلم الأهلي ولتفعيل الخدمات واستعادة الحقوق الأساسية للمواطنين وعلى رأسهم جنود وموظفو وعمال الدولة وهم بالملايين.

سينبغي علي التذكير فقط أن هواة التعطيل لن يحصدوا سوى الخيبة، وأن “اتفاق الرياض” يختلف عن سابقاته بأنه ليس ملكاً للموقعين وحدهم، وفي يقيني أن الشركاء الإقليميين والدوليين لن يقفوا متفرجين على العابثين وهم يبددوا جهدا مضنيا بذلته كل الأطراف من أجل الوصول إلى هذا الاتفاق.

أقول قولي هذا ولدي ما أتحفظ عليه مما وصل إلي من تسريبات عن مضمون الاتفاق لكنني أحتفظ بتحفظاتي لنفسي، ولن أتناولها احتراماً لجهد الأشقاء وللطرفف الذي اقتنعت بأنه يمثلني في هذا الاتفاق الذي طال انتظاره.

والله ولي التوفيق وهو نعم المولى ونعم النصير