من الذي يفتت اليمن؟؟!!

كتب : د. عيدروس نصر :

 

خلال الأيام الأخيرة تعالت الأصوات التي تتهم دول التحالف العربي بأنها تسعى “لتفتيت اليمن”، من خلال الحديث عن ارتفاع صوت الجماهير الجنوبية المطالبة بتقرير مصير الجنوب وتحقيق رغبة شعبه في استعادة دولته الجنوبية بعد أن فشلت تجربتا الوحدة بالاتفاق والسلم، والوحدة بالحرب والغزو.

معظم الذين يكررون هذه المقولة “تفتيت التحالف العربي لليمن” هم من أنصار وتلاميذ مدرسة (7/7/1994م) الذين تتلمذوا على شعارات “الوحدة أو الموت”، و”محاربة الشوعيين في الجنوب”، وهؤلاء يتعامون عن رؤية حقائق هي أنصع وضوحا من الشمس في ظهر نهارٍ صيفي، والعجيب في أمر هؤلاء أنهم ما يزالون يتلقون الدعم من قبل دول التحالف التي يلعنونها ليلاً ونهاراً ، صبحاً ومساءً، دونما أي شعور بالخجل أو الإحراج.

وقبل الحديث عمن يفتت اليمن؟ سنشير إلى الحقائق التي يسعى هؤلاء إلى عدم الإقرار بها ولا الاعتراف بوجودها منذ زمن ما قبل ثورة الربيع العربي في العام 2011م.

وأولى هذه الحقائق أن المقاومة الجنوبية لمشروع وحدة الضم والإلحاق والغزو والاحتلال، قد بدأت مباشرة بعد 7/7/ 1994م وهو التاريخ الذي اعتبره هؤلاء وقادتهم “نهاية التاريخ” في حين كان الشعب الجنوبي يستجمع قواه ويرص صفوفه ويبحث عن نقاط قوته ليسخرها في معركته القادمة، التي لا بد أن تنبثق ذات يوم، ويعلمون (وربما لا يعلمون) أن الشعب الجنوبي قد سعى بشتى الوسائل إلى قيام تشكيلات سياسية تعبر عن رفضه لنتائج حرب 1994م وكانت تجارب “موج” و “حتم” و “اللجان الشعبية” و”تيار إصلاح مسار الوحدة” و”تاج” وغيرها من المحاولات المعبرة عن رفض الشعب الجنوبي للهزيمة وبحثه عن بدائل تخرجة من وضع التبعية والاحتلال إلى وضع الشعب الحر القادر على صياغة مستقبله واختيار مصيره المستقل.

الحقيقة الثانية: إن ثورة الشعب الجنوبي السلمية التي انطلقت في العام 2007م لم تكن حركة من صنع أحد في الخارج، بل على العكس لقد تعرضت هذه الثورة السلمية الرائعة للحصار والتعتيم الإعلامي والحرب الإعلامية حينما كانت كل وسائل الإعلام العربية والعالمية لا تعترف إلا بنظام علي عبد الله صالح وحلفاء 7/7 ، وحينما كان آلاف الشهداء يسقطون وهم لا يحملون إلا الرايات واليافطات وصور من سبقهم من الشهداء كان هؤلاء (الأدعياء) يهتفون بحياة الرئيس علي عبد الله صالح وينظرون إلى شهداء الجنوب على إنهم أشرارٌ يجب قتلهم، وهو ما يبين ازدواجية منطقهم فهم وحدويون عندما يتعلق الأمر بالسلب والنهب والغنائم، لكنهم انفصاليون عندما يتعلق الأمر بدماء وأرواح الجنوبيين.

هم يصرون على ان الثورة الجنوبية هي صناعة إماراتية ويتناسون ان الشعب الجنوبي عندما انطلق بثورته السلمية لم يكن يدعمه احد بينما كانوا هم وصالح يستحوذون عل دعم الجميع ويحولون ذلك الدعم إلى غنائم حزبية يودعونها فوق ارصدتهم التي تضخمت وتضاعفت بعد ١٩٩٤م بفضل نهبهم للجنوب وحقوق ابنائه، وهذا بطبيعة الحال لا يعفينا من التوجه بالشكر والتقدير إلى الأشقاء في السعودية والإمارات لدعمهما لشعبنا في مواجهة المشروع الانقلابي الحوفاشي، هذا الدعم الذي تكامل وتناغم مع رغبة شعبنا الجنوبي في الحرية والاستقلال وحقق في ثلاثة أشهر ما لم تحققه الجيوش الجرارة في ثلاث سنوات من التزييف والخداع وتضليل دول التحالف في الانتصارات المزيفة والتنقل بين الآكام والتباب.

هم يتهمون التحالف العربي بالسعي لتفتيت اليمن، وطبعا لا يتعرضون للحركة الحوثية ولا لأنصار صالح بكلمة واحدة، ويعتبررون أن مساهمة قوات التحالف العربي في تحرير محافظات الجنوب من الغزو الحوفاشي، ومن تنظيم القاعدة وداعش الإرهابيين مؤامرة إماراتية سعودية، لكنهم لا يقدمون بديلا عمليا للمساهمة في تحرير بقية المناطق من الانقلاب الحوثي، وبكلمات أخرى إنهم يريدون من التحالف العربي أن يحرر لهم أرضهم ويستعيد لهم منازلهم ويعيدهم إلى ديارهم وهم مسترخون على شواطئ الدردنيل والبوسفور، وإلا فهو (أي التحالف العربي) متهم بتفتيت البلاد.

بقيت حقيقة واحدة على هؤلاء أن يدركوها وإن كنت أثق أنهم يدركونها ولكنهم يهربون من الاعتراف بها: إن البلاد قد تفتتت عندما تحالفوا مع عفاش ضد الجنوب وضد الشعب اليمني بكله وقسموا البلاد إلى إقطاعيات توزعوها فيما بينهم واعتقدوا أن علاقات السمن والعسل التي تربطهم بعفاش هي الضمانة الوحيدة للإبقاء على البلد (موحداً) تحت قبضتهم، لكنهم نسوا أن أسهل ما يمكن أن يفعله اللصوص هو أن يتفقوا على السرقة لكن الأسهل منها أن يختلفوا على توزيع المسروقات، وإن هذا الاختلاف كفيل بتفتيت البلد بعد أن قسموها فيما بينهم وحولوها من وطن للمواطنين إلى غنائم بيد النصابين والمجتالين، وتلك هي أقصر الطرق لتفتيت البلدان وتدمير قدراتها والعبث بمستقبلها.