تقرير أمريكي: اليمن الجنوبي سيكون بكل المقاصد مستقلا

الجنوب الجديد / ترجمة بليغ اليزيدي :

 

مقاتل من القوات الجنوبية خلال معركة التصدي لمليشيات الإخوان ترجمة/ بليغ اليزيدي (عدن) حققت “قوات المقاومة الجنوبية” تقدما لافتا للنظر في سعيها لاستعادة استقلال (اليمن الجنوبي) بعد أن أطاحت بحكومة هادي من مقرها المؤقت في مدينة (عدن) و التي كانت سابقا عاصمة دولة (اليمن الجنوبي) ابان عهد الحرب الباردة، وهناك العديد من السوابق التاريخية التي تتحدث كدلالة لصالح استقلال (اليمن الجنوبي) .

و لربما كان من أكثرها ارتباطا وثيقا بقضية “الحراك” هو في الحقيقة قضية ( شبه جزيرة القرم). السياق الاستراتيجي النفي للمرة الثانية: فقد كشفت الأنباء أن “قوات المقاومة الجنوبية”، الجناح المسلح ل “المجلس الانتقالي الجنوبي”، الفرع السياسي للحركة الجنوبية الذي يشار إليه بالعامية “الحراك”)، قد حررت العاصمة السابقة للدولة الجنوبية اليمنية من حكومة هادي بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات العنيفة في المقر المؤقت (للشرعية) المعترف بها دوليا.

وتشير التقارير الاخيرة إلى أن بضع عشرات من ممثلي (الشرعية) محاصرون في القصر الرئاسي وأن رئيس الوزراء يستعد للفرار, تماما مثلما فعل الرئيس (هادي) في عام 2015 م عندما هاجم المسلحون الحوثيين من اليمن الشمالي المدينة الجنوبية (عدن) في الأيام التي سبقت تدخل التحالف العربي الذي تقوده السعودية. جنوب في مواجهة جنوب  وليس هناك من الناحية العملية أي طريقة تمكن إدارة هادي من استعادة شرعيتها في أي جزء من البلد الموحد اسميا فقط , وذلك بعد أن تم إزالتها قسرا من النصف الشمالي من سابق والنصف الجنوبي حاليا، وقد حملت الأحداث الأخيرة رمزية اكثر , ذلك لأن الحكومة المخلوعة مرتين , ويا للمفارقة, يرأسها جنوبي ( اصيل ) و أحد أبناء الجنوب. وهذا لا يعني أنه (هادي) كان محبوبا من قبل بني جلدته الجنوبيين ، فهادي قد تحول ضد مسعى بني جلدنه الجنوبيين نحو الانفصال خلال الحرب الأهلية عام 1994، والذي كوفىء عليها نتيجة لذلك من قبل المغدور الرئيس السابق صالح بتعيينه نائبا للرئيس اليمني.

وقد تلى ذلك على مسرح الاحداث قيام ثورة “الربيع العربي” الزاهية ، فتم الضغط على صالح ليتنحى عن منصبه وحل محله هادي، والذي فشل في حل الفساد المتوطن في الدولة، وزاد في الحقيقة من واقع الصراعات القبلية التي تشبه مثيلاتها في افريقيا, في هذا البلد الواقع في شبه الجزيرة العربية .

الانقلاب الشمالي: وكانت النتيجة والمحصلة أن مليشيات الحوثي الذين ينحدرون من شمال اليمن قد ثاروا للإطاحة بحكومة هادي بالاشتراك مع قوات صالح، مما أدى إلى إبطال النظام الدستوري في الدولة واجبار الرئيس على الفرار إلى عاصمة اليمن الجنوبي السابقة (عدن)، حيث هرب من عدن متوجها إلى العربية السعودية في سعي للحصول على مساعدة عسكرية مستعجلة من قيادة دول مجلس التعاون الخليجي, حيث ان الحوثيون هددوا بالسيطرة على البلاد بأكملها . وقد أدت الحرب الأهلية-الدولية المتعددة الأطراف التي نتجت, إلى مقتل الآلاف، وتعرض أكثر من مليون شخص للاصابة بالكوليرا منذ ذلك الحين ، وهناك الكثيرون ممن هم على وشك المجاعة بسبب قصف التحالف المستمر للمواقع الحوثية في ما كان يوما ما ( الدولة المستقلة لليمن الشمالي ).

المأزق المشتعل: ومع ذلك،فقد أظهر المأزق الناتج على مدى العامين الماضيين للجنوبيين أن التحالف لم يكن قويا بما فيه الكفاية لإعادة حكم هادي في جميع أنحاء البلاد، مما فتح الفرصة أمامهم لدفع الحكومة الضعيفة بشكل أكثر قوة إلى تقديم التنازلات في محاولة للتأكيد على حقوقهم الوطنية في مواجهة ما زعموه منذ فترة طويلة الا وهو القمع الشمالي و وصلوا حتى الى وصفه بالاحتلال. ونتيجة لطفح كيل الجنوبيين جراء تفاقم الوضع المتدهور في عدن, و شروع سلطات هادي في تحويل جهاز “الدولة” المتبقي ضدهم، خاصة بعد إبعاد حاكم عدن السابق الموالي لحراك عيدروس الزبيدي في أبريل / نيسان 2017 م وإعلانه بعد ذلك بقليل عن تأسيس ” المجلس الانتقالي الجنوبي “، طالب الجنوبيون بأن يحل الرئيس المقيم في السعودية حكومته بكاملها أو أن يخاطر بانتفاضة وشيكة.

الثورة الجنوبية: وفى يوم الاحد الـ،30 من يناير وهو اليوم الذى ينتهي معه الانذار، حضر هادى جميع المظاهرات العامة واصدر الاوامر لقواته باطلاق النار على انصارالمجلس الانتقالي الجنوبي الذين سافروا الى عدن من جميع انحاء جنوب اليمن للانضمام الى الاحتجاجات المزمعة. وبالنظر إلى أن اليمن ثاني أكبر دولة مدججة بالسلاح في العالم بعد الولايات المتحدة ، فقد كان الناس يحتفظون بأسلحتهم قريبة منهم, فقط في حالة حدوث خطأ ما، وهو ما حصل بوضوح عندما بدأ الجيش في قتل المتظاهرين الذين انتهكوا مرسوم هادي، مما دفعهم إلى تناول أسلحتهم دفاعا عن النفس، وكذلك من ناحية استراتيجية دفعهم الى الانتقال للهجوم في محاولة طموحة لتحرير عاصمتهم.

وقد أفادت تقارير ان قوات المقاومة الجنوبية التي قامت الامارات بتسليحها وتدريبها واجهت مهمة سهلة امام مقاتلي هادي الذي يدعمه السعوديون وأعادت القضية الجنوبية إلى واجهة الاهتمام العالمي على الفور. المقارنة مع شبة جزيرة القرم. في هذه اللحظة من التاريخ ، يسعى الجنوبيون للحصول على دعم دولي لاستعادة استقلالهم ,لأنهم يريدون العودة إلى مجتمع الأمم كما كانوا في السابق لعقود مضت، وان لا يبقوا بحكم الأمر الواقع معترف بهم من قبل حليفهم الإماراتي فقط. وعلى الرغم من أن هناك العديد من الحجج والسوابق التاريخية التي يمكن الرجوع إليها لصالح القضية الجنوبية ، الا ان واحدة من أكثرها إثارة للاهتمام هو تلك المقارنة بين اليمن الجنوبي وبين شبه جزيرة القرم .

“الاقليم-الدول “: كلاهما ( اليمن الجنوبي وشبه جزيرة القرم) وهما مناطق محددة و منفصلة في هويتهما تم دمج كل منهما مع منطقة مجاورة لم يكن لهما اي انتماء جدي بهذه المناطق المجاورة بشكل مسبق ,بصرف النظر عن كونهما يقعان في نفس المنطقة الجغرافية للمناطق المجاورة التي تم دمجهم ا بها. ف”اليمن” هو في الواقع اسم لمنطقة تمتد إلى ما وراء بلدها المسمى حاليا, فهي تمتد إلى أجزاء من جنوب المملكة العربية السعودية وجزء يسير من غرب عمان، ومثلها تماما ف “أوكرانيا” تعني حرفيا “الحدود” وهي تشير إلى الحدود البولندية الروسية التاريخية. فكلا الشعببين المذكورين انفا, قد تحصل على هويته الإقليمية بمرور السنين، وقد حقق اليمنيون الجنوبيون هذا الامر قرونا عديدة قبل ان يتمكن الأوكرانيين من تحقيقه، ولكن الاختلافات المحلية بقيت مستمرة. وكما أن شعب غاليسيا في منطقة غرب أوكرانيا يختلفون عن الشعب الموجود في جمهورية القرم التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي سابقا، فإن الشمال اليمني كذلك يختلف أيضا عن الجنوب اليمني، و حيث أن كل قسم فرعي من هذه المنطقة الكبيرة له اختلافات داخلية أيضا.

عقود طويلة السخط: فقد تم ضم القرم إلى أوكرانيا بأمر من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف في عام 1954 م ، في حين وافق الجنوب اليمني على التوحد مع الشمال اليمني في عام 1990م ودعم الشعبان (الجنوبي والشمالي ) مجتمعين و بأغلبية ساحقة دستور الدولة الجديدة. ومع ذلك، فإن المشكلة هي أن الرئيس اليمني صالح زعما, استغل سذاجة الجنوبيين في عهد ما بعد الشيوعية لنهب (الجنوب) البلد الأكثر ثراء مقارنة بالشمال والقيام بانقلاب “الدولة العميقة” , وذلك بالاستعاضة قصرا و بالقوة عن جميع قادة الجنوب المحليين باخرين شماليين. وقد أدى ذلك إلى حرب أهلية قصيرة في عام 1994 م أدت إلى هزيمة الانفصاليين، مما أدى في وقت لاحق إلى جعل الجنوبي (الاصيل ) هادي نائبا للرئيس صالح بعد تحوله بشكل حاسم ضد بني جلدته السابقين خلال هذا الصراع. وإجمالا، يمكن القول إن الشعب في القرم لم يرغبوا في أن يكونوا جزءا من أوكرانيا ما بعد الحرب الباردة, وبنفس القدر فان الشعب اليمني الجنوبي لم يكن يريد أن يكون جزءا من اليمن الموحد الذي ذهب لمنحى خاطئ و بشكل خطير، والذي كانت فيه الحكومة التي قادها شمالييون قد أديرت بجدية سعار القتل .

اسباب مناهضة الدستور: وكان السبب وراء انفصال شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا هو قيام الانقلاب الموالي للولايات المتحدة عام 2014م و الذي دمر الشرعية الدستورية لهذه “الدولة الإقليمية” التي تم إنشاؤها بشكل غير طبيعي، وبعد ذلك اختار شعبها ذو الأغلبية الروسية البدء بتنفيذ تدابير ديمقراطية للتصويت من أجل الاستقلال , ومن ثم إعادة التوحد مع وطنهم الأم روسيا التاريخية , وذلك في رد منهم على العنف الفاشي الذي كانوا يخشون أن يتعرضوا له من قبل سلطات الانقلاب.

و على الرغم من أن الامر تكشف وظهر على مدى ثلاث سنوات وليس ثلاثة أسابيع مثل قضية القرم، فقد اتخذ الجنوبيين اليمنيين مسارا مماثلا . فهم بالفعل ومسبقا كانوا غير راضين عما اعتبروه إلى حد كبير على أنه الاحتلال الشمالي والعقاب الجماعي لهم في أعقاب محاولتهم الانفصالية الفاشلة عام 1994م ، فقد رأوا فرصة لإحياء حظوظهم بعد نجاح الانقلاب الحوثي في صنعاء في عام 2015م وما أعقب ذلك من حل للسلطة الدستورية للدولة.

براغماتية الصبر: ومع ذلك، كان لا يزال هادي الرئيس المعترف به دوليا لليمن وعودته بالقوة العسكرية إلى السلطة كانت مدعومة من معظم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، مما اضطر الحراك تكتيكيا الى مواءمة نفسه مع هذه القوى, لأنهم أثبتوا ولاء اتجاه مكافحة الحوثيين , وقضى الحراك فترة من الزمن في انتظار اللحظة المناسبة لينتفض مرة أخرى. والسبب في كون الجنوبيين مناهضين للحوثيين بشدة , أن الجنوبيين ينظرون إلى الحوثيين على أنهم النقيض التام لكل ما يسعى و يؤمن به الجنوبيون. ففي حين أن الحوثيين هم من قبائل اليمن الشمالي الشيعية الزيدية الموالين لإيران والذين يقاتلون لفرض ما يخشى البعض انه سيكون شكلا من أشكال الحكم الإسلامي اليميني على كامل اليمن الموحد، فالحراك ومؤيديه هم في معظمهم يمنيون جنوبيون علمانيون أو سنة حضر , يتماشون مع دولة الإمارات العربية المتحدة و يقاتلون من أجل استعادة حكومة يسار التي سادت ابان الحرب الباردة في اليمن الجنوبي فقط.

الضربة المفاجئة: ولما كان الجنوبيون مدركين أن هادي لن يستطيع اعادة سلطته على شمال اليمن, على الرغم من المساعدة العسكرية الكبيرة التي يقدمها السعوديون كدعم له , والتي حصل عليها على مر السنين، فقد سعى الجنوبيون إلى استغلال هذا الضعف في التحرك للحصول على المزيد من الحقوق، على الرغم من أن الزعيم المعترف به دوليا, صعد من قمعه ضدهم , وأمر قواته في نهاية المطاف بإطلاق النار على المتظاهرين العزل الذين تجمعوا للاحتجاج عليه في نهاية الأسبوع , في انتهاك لمرسوم الحكومة المناهض للديمقراطية.

ان هذه اللحظة يمكن أن ينظر إليها ضمن الخلفية , كمثل الضربة الثانية والقاتلة والنهائية لشرعية الدولة اليمنية الموحدة ، مع النظر ان استيلاء الحوثي على صنعاء عام 2015 م هي الضربة الأولى . ان الجنوبيين في توجههم إلى الهجوم من باب الدفاع عن النفس فعلوا تماما كما فعل شعب القرم، بذلك فان اليمنيين الجنوبيون قد تمكنوا بالفعل من إستعادة سيادتهم بحكم الأمر الواقع، وهم بحاجة فقط إلى إجراء الاستفتاء الذي خططوا له مبدئيا في وقت لاحق من هذا العام من أجل إعطاء دولتهم المنبعثة من جديد الشرعية الدولية. الحلول المستقبلية الكفاح للوصول الى الاعتراف : يبدو من المستبعد جدا أن تقطع المملكة العربية السعودية علاقتها مع الحليف الإماراتي, وأن ترسل من جانب واحد قواتها لمحاربة الانفصاليين الجنوبيين، خاصة وأن الرياض لا تستطيع حتى هزيمة الحوثيين في شمال اليمن، ولا تخفى الحقيقة عن ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد و توجيهه لنظيره السعودي الأصغر سنا، ونفوذه “الأبوي” الذي يمارسه على القائد الرسمي للتحالف. وهذا يعني أن اليمن الجنوبي سيكون بكل المقاصد والأهداف مستقلا بحكم الأمر الواقع , لحظة خروج رئيس وزراء هادي من المنطقة , واستسلام باقي المسؤولين الباقين في القصر الرئاسي لقوات المقاومة الجنوبية أو نقلهم أيضا إلى خارج البلاد، لكن هذا الامر لا يعني بالضرورة أنه يترجم إلى اعتراف دولي مهما كانت شرعية القضية أو الهدف .

وحقيقة الأمر هي أن اغلبية دول العالم تتردد في تغيير حدود دولة قائمة بالفعل , خشية أن تؤدي إلى “البلقنة”، حيث كوسوفو وجنوب السودان هما الاستثناءان الرئيسيان في هذا القرن , والسبب في المقام الأول لأن انفصالهما كان مدعوما من قبل الولايات المتحدة. عقدة متعددة الأقطاب على طريق الحرير الجديد: هذا ليس بالضرورة هو الحال في وضع جنوب اليمن، فبغض النظر عن مدى التحالف الوثيق بين دولة الإمارات العربية المتحدة و الولايات المتحدة، فأن هذا, أيضا لن يترجم تلقائيا إلى جعل قضية الحراك كضرر على المصالح الأمريكية الإستراتيجية الكبرى.

وحتى مع ذلك، فإن هذا التداخل المحتمل ,لا ينبغي أن يتم افتراض كونه حصرا لدولة الإمارات العربية المتحدة و / أو الولايات المتحدة أو مصلحة لاي منهما، اذ أنه من الممكن جدا أن أن يلعب لصالح النظام العالمي متعدد الأقطاب أيضا، ليس أقلها بسبب موقع اليمن الجنوبي الاستراتيجي البالغ الاهمية في مفترق الطرق العابر للقارات لغرب آسيا وشرق أفريقيا، فضلا عن ربط أوروبا مع جنوب آسيا عبر خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.

ان هذه الاعتمادات الجغرافية تمنح جنوب اليمن إمكانية أن يصبح عقدة هامة وحاسمة في رؤية الصين العالمية لحزام واحد طريق واحد في الربط بين طريق الحرير الجديد، كما وصفه المؤلف بشكل أكثر عمقا في تحليل ديسمبر 2017 م حول كيفية “جنوب اليمن سوف يستعيد الاستقلال إذا ما اتبع هذه الخطوات الست

“. الاستقلال الاستفتاء: ولإيجاز أهم النقاط ذات الصلة في هذا الاقتراح السياسي ، يجب على جنوب اليمن إجراء استفتاءه المقرر حول الاستقلال في أقرب وقت ممكن، ثم السعي إلى وساطة محايدة من قبل طرف ثالث مثل روسيا من أجل ايجاد الدعم الدولي للانفصال من اليمن الموحد. ان الاشارة هنا إلى موسكو ليس نابعا فقط كون المؤلف كان يتوقع سابقا أن القوة الأوراسية العظمى يمكن أن تمد نفوذها ” الموازن ” إلى أبعد زاوية في شبه الجزيرة العربية، وبالتالي جنوب غرب القارة العملاقة، ولكن وزير الخارجية لافروف نفسه أعلن استعداد بلاده للقيام بذلك الدور بين الحوثيين وهادي خلال لقاء مع نظيره اليمني قبل أسبوع فقط من تحرير اليمن الجنوبي، وأضافت وزارة الخارجية الروسية في وقت سابق من هذا الأسبوع أن عرضها ينطبق على الوضع في جنوب اليمن أيضا. الوساطة الروسية: كما جاء اقتراح روسيا بالتوسط بين الحراك وهادي بعد أن قالت سمر أحمد، وهي ممثلة للمجلس الانتقالي الجنوبي ومقيمة في الولايات المتحدة ،قالت للمؤلف في مقابلة مع برنامج ترندستورم الإذاعي الذي استضافه منفذ وسائل الإعلام الدولية الممول من الحكومة الروسية (سبوتنيك) أن قوات المقاومة الجنوبية ترحب بجهود الوساطة من روسيا في حال تدهور الوضع، وهو ما حصل في نهاية المطاف. إن التدخل الدبلوماسي المحتمل من قبل موسكو سيكون محايدا تماما , لأن لموسكو مصالح في كل من شمال وجنوب اليمن.

فعلى سبيل المثال، اجرى الأطباء الروس عملية للرئيس السابق صالح قبل شهرين من اغتياله، والتقى ابنه للتو بنائب وزير الخارجية الروسي. وعلى الرغم من أن أحمد عبد الله صالح قد لا يغفر للحوثيين قتل والده، إلا أن الرئيس الراحل للمؤتمر الشعبي العام لا يزال متحالفا مع المسلحين الجبليين، مما قد يوفر سبيلا للنفوذ الروسي غير المباشر في شمال اليمن.وعلى الجانب الآخر من البلاد، كان جنوب اليمن الحليف العربي الاقرب للاتحاد السوفيتي والبلد المسلم الوحيد الذي كان لديه حكومة شيوعية بشكل رسمي. صناعة صفقة الجميع فيها رابحون: وبالتالي فإن روسيا هي الأفضل تجهيزا للتعامل مع المفاوضات الدقيقة حول ما يبدو ظاهريا أنه اليمن الموحد والذي يوشك على اعادة تقسيمه إلى جزئيه المكونين له و لكنهما تاريخيا وثقافيا نصفان مختلفان ، مع فترة من ” الهوية الفيدرالية ” التي يمكن أن يليها “الطلاق” النهائي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التقارب السريع بين روسيا والمملكة العربية السعودية وعلاقاتها الممتازة مع كل من الإمارات العربية المتحدة وإيران يجعلها تساعد موسكو على “موازنة” خسارة الوجه “التي لا مناص من أن تشهدها الرياض بعد فقدانها السياسي لهادي الحليف مع الفوائد الجيوستراتيجية التي من المنتظر ان تتلقاها أبو ظبي وطهران جراء استعادة اليمن الجنوبي واليمن الشمالي لاستقلالهما على التوالي. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي هذا الحل بطبيعة الحال إلى نهاية الحرب على اليمن و انهاء معاناة كل من شعبيهما ، وعودة هاتين الدولتين السياديتين السابقتين إلى الوضع القائم قبل عام 1990م، واتاحة الفرصة امامهما و التي يحتاجون إليها لإعادة تنمية اقتصاداتهم وإعادة بناء مؤسساتهما الوطنية.

أفكار ختامية: لم يعد هادي عاملا ذا أهمية رمزية في المعادلة الوطنية، والحوثيون ليس لديهم أمل مهما كان لغزو كل اليمن، والجنوبيين استعادوا بحكم الواقع استقلال بلدهم كما كان في حقبة الحرب الباردة، وهذا يعني أن سبب التدخل العسكري الذي تقوده السعودية قد انهار برمته، وان البلد الموحد على السطح اصبح يحكم من قبل حكومتين متمايزتين من النصفين اللذان اسساها , واللذان ولمرة اخرى دخلا خلافا لا يمكن التوفيق بينهما حوله .

إن المسار المنطقي الوحيد أمام جميع الفاعلين في ظل هذه الظروف هو قبول هذه الحالة من العلاقات وإضفاء الطابع الرسمي عليها من حيث القانون الدولي، الأمر الذي قد يتطلب فترة انتقالية يشهد فيها كل من الشمال والجنوب ممسكا باستفتاء استقلاله تحت إشراف الأمم المتحدة , والمضي قدما في الإجراءات الرسمية لفض الاشتباك المؤسسي فيما بينهما، ولهذا جاء خيار تنفيذ نظام واسع من “الهوية الفدرالية” بين الجزأين خلال هذه الفترة. روسيا هي الدولة العظمى الوحيدة القادرة على العمل كوسيط محايد بين جميع الأطراف والضامنة لحل عادل للجميع، ولهذا السبب يجب بذل جهود من قبل المؤتمر الشعبي العام اليمني الشمالي والمجلس الانتقالي الجنوبي لبدء دعوة نشطة لموسكو للمشاركة في هذه العملية وربما قيادتها لهذه العملية. يمكن لروسيا أن تساعد السعوديين على “حفظ ماء الوجه”، في حين تقوم ب”موازنة” مصالح دولة الإمارات العربية المتحدة في جنوب اليمن مع إيران في شمال اليمن، والاخيرة يمكن أن تتطلب مستوى ثان أعمق من “التوازن” من خلال رفع المؤتمر الشعبي العام إلى مستوى قوة سياسية معترف بها دوليا في هذا الجزء من البلاد من أجل التغلب على عدم استعداد التحالف للتعامل مع الحوثيين وحلفائهم.

ولا توجد طريقة مثالية لمعالجة هذا الوضع الدبلوماسي الذي يبدو أنه مستعصي على الحل، ولكن روسيا مع ذلك هي الأنسب لمواجهة هذا التحدي، ولهذا السبب يجب أن تنخرط وتشارك في بناء القدرات أو غيرها. وينبغي أن تكون النتيجة النهائية لجهود الوساطة التي تبذلها موسكو اتفاق الشمال والجنوب على خطة مدعومة من الأمم المتحدة لإعادة تقسيم البلد الموحد اسميا إلى جزئيه التاريخيين، وبعد ذلك يمكن لروسيا أن تعمل على توسيع نفوذها على حد سواء، على الرغم من احتمالات النجاح أعلى بكثير مع حليفها اليمني الجنوبي السابق في عهد الاتحاد السوفيتي .

و يمكن أن يصبح اليمن الشمالي “إريتريا جديدة” من حيث أنها ستعامل ك”دولة مارقة” و “معزولة” من جانب جيرانها، وقد يظهر سيناريو أن بعض أشكال الحصار “المعتدلة” من قبل التحالف يمكن فرضها بشكل غير قانوني نتيجة خوف أعضاء التحالف من أن يصبح البلد المستقل حديثا معقل للنفوذ الإيراني. وعلى الرغم من أنه قد يكون غير مرغوب فيه من منظور إنساني، فإنه يظل حالة “أفضل” مما يعانيه الشعب الشمالي حاليا اذا ما تم في ظل تشجيع و مشاركة الأمم المتحدة و روسيا المستقبلية.

وفي حين أن اليمن الشمالي في الاغلب سيستمر في التراجع نحو الفقر والمجاعة المفروضين عليه خارجيا، فإن جنوب اليمن يقف على النقيض من ذلك , فلديه الفرصة لأن يصبح جزءا حيويا من طريق الحرير الجديد مع كل الرخاء الذي يعد به. – أندرو كوريبكو : هو محلل سياسي أمريكي مقيم في موسكو متخصص في العلاقة بين الاستراتيجية الأميركية في منطقة أفرو-أوراسيا رؤية الصين العالمية لحزام واحد طريق واحدا والربط بين طريق الحرير الجديد، والحرب الهجينة.

 

*أندرو كوريبكو