الذكاء والغباء في موازين خدمة الشعوب.

بقلم / محمد مرشد عقابي:

 

في جمهورية الكاميرون الواقعة غرب افريقيا وبأحدى القرى النائية هناك يمتهن السكان صناعة السلال من اغصان الأشجار وقد لاحظ احد التجار ان عامل حياكة السلة يدور حولها اثناء عملية الحياكة وليس كما هو المنطقي ان يجلس ويدير السلة بيديه كيفما يريد، التاجر الذي قرر ان يحتكر منتجات سكان القرية استبعد فكرة ان يرشدهم الى الطريقة الصحيحة والمريحة وفكر مع نفسه بان هؤلاء الذين أحدودبت ظهورهم وانحنت فقراتهم جيلاً بعد جيل حتى انهم شيدوا اكواخهم بسقوف واطية ووهنه من المستحسن ان يبقوا على هذا الوضع لكي لا تتسع مداركهم ومطالبهم فتنتصب قاماتهم وترتفع هاماتهم فينظروا الى الأعلى طويلاً فتنشط أحلامهم وتستنهض همهم وتتوسع طموحاتهم وربما يفكروا بتوسيع بيوتهم وكل هذا سيدفعهم الى زيادة اسعار السلال التي يبيعونها له ومعها تتزايد معرفتهم بقيمة الجهد المقرون بالعقل والسعر المناسب للمنتج.

نموذج هذه القرية الكاميرونية النائية والفقيرة هو نموذج مصغر لأنماط حياتية وسلوكيات ومهارات عقلية محدودة تم من خلالها اخضاع العديد من شعوب العالم لهذا العقدة التي تعد شكلاً من اشكال الغباء البدائي الذي ينجم عن الجهل وغياب المعرفة وبالتالي انعدام التفكير المنطقي وكثيراً ما تجلد العديد من شعوب العالم الثالث ذاتها حيال خيبتها وتاخرها عن التنمية والتقدم، وجلد الذات هو في الحقيقة محاولات  للتنبه الى ان هذه الشعوب واقعة تحت تاثير عمليات تدمير ممهنجة تجري عبر انظمة مصنعة وصناعية هدفها التأثير على ادراكات الإنسان وضبط او تحجيم سلوكياته ومثلما يجري اليوم اطلاق مصطلح الذكاء الصناعي على الإبتكارات والمنتجات البشرية التي توظف الآلة من اجل التطور والرقي، ايضاً فان ما تتعرض له العديد من الشعوب على انه عملية تغبية صناعية لذلك نستطيع القول ان عمليات الغباء الصناعي اكثر عراقة وعمق خبرة وتجربة من الذكاء الصناعي بل انه الأخطر والأوسع تاثيراً ويشمل مساحة كبيرة من التجمعات البشرية، واذا كان سكان تلك القرية الكاميرونية صنعوا بيوتهم بمستوى قاماتهم التي ضمرت جراء مانجم عن محدودية اشتغال الدماغ فان هناك شعوب في العالم الثالث اريد لها ان تحجم وتصغر مديات مداركها وافكارها ومن ثم حياتها وطموحاتها واحلامها وذلك تبعاً لما وضعه الحكام والحكومات من مخططات جرى تنفيذها بوسائل صناعية نجحت في تقزيم مدارك الدماغ وذلك على غرار ما ذهب اليه تاجر السلال الذي شجع سكان القرية على الإبقاء على طريقة حياكة السلال الغبية عبر الدوران حولها بطريقة بلهاء.

اليوم يجري استخدام التطور التقني في وسائل الإعلام والإتصال والتواصل لكي تبقى الشعوب تدور حول نفسها وفق نظرية الحلقة المفرغة والفلك الواحد واستغلت اطراف عديدة وسائل الإعلام والإتصال الرقمي لأغراض التحجيم والتغييب والعزل المعلوماتي والمعرفي عن المجتمعات لغرض ابقائها دون المستوى الإدراكي لمنعها من التفكير المعرفي الذي يؤدي الى الإنتاج المنطقي للتخطيط والإبداع.